الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
» عقبة في طريق النسيان - نضال القاسم
الإثنين نوفمبر 07, 2011 3:00 pm من طرف yaman

» قصيدة عروس النيل لسميح القاسم
الجمعة أكتوبر 28, 2011 1:35 pm من طرف زائر

» جدارية (محمود درويش)
الجمعة أكتوبر 28, 2011 1:30 pm من طرف زائر

» عمر أبو ريشة (مواسم الورد)
الخميس أكتوبر 27, 2011 12:23 pm من طرف yaman

» أغُتصبتْ وسط الزحام ليمان نجار
الإثنين أكتوبر 24, 2011 4:09 pm من طرف yaman

» الفيلم السوري : روداج إخراج نضال الدبس
الأربعاء يونيو 29, 2011 8:37 am من طرف yaman

» قصيدة اكثر من معركة لسميح القاسم
الأحد يونيو 26, 2011 1:15 am من طرف fafi star

» قصيدة صوت الجنةالضائع لسميح القاسم
الأحد يونيو 26, 2011 1:14 am من طرف fafi star

» قصيدة القصيدة الناقصة لسميح القاسم
الأحد يونيو 26, 2011 1:13 am من طرف fafi star

دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأكثر شعبية
قصة مسرحية " هاملت "لـ شكسبير
السيرة الذاتية لطه حسين
السيرة الذاتية عباس محمود العقاد
قصة مسرحية حلم ليلة في منتصف الصيف لشكسبير
مفدي زكرياء السيرة الذاتية
السيرة الذاتية لتوفيق الحكيم
السيرة الذاتية لجبران خليل جبران- جبران خليل جبران
الفيلم السوري : روداج إخراج نضال الدبس
تعريف المقالة
السيرة الذاتية لمحمد حسين هيكل
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
fafi star
 
yaman
 
moataz
 
rose
 
soso
 
Nidal Al Qasim
 

شاطر | 
 

 رواية : سري الخطير لـ زكية خيرهم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
yaman
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42
تاريخ التسجيل : 07/06/2011
العمر : 23
الموقع : http://sparse-rose.yoo7.com

مُساهمةموضوع: رواية : سري الخطير لـ زكية خيرهم   الثلاثاء يونيو 21, 2011 11:28 pm

أخترنا لكم الفصل الأول من الرواية الان
وقريباً باقي فصول الرواية

الفصل الأول
دارت السنة النسوة في أفواههن مثل الرحى وهن يطلقن الزغاريد بنسق تصاعدي والتي تسمع كالعويل وعيونهن متوجهة صوب الباب الخشبي المغلق على العروسين في مشهد خرافي ذي طابع غرائبي لطقس الزفاف وعرابات الزفاف يترقبن اللحظة الحاسمة للختم الذكوري في طقس اختبار شرف العروس عبر قطرات دم لإعلان النقطة الفاصلة بين العفة والدنس للعروس وخيط رفيع يفصل بين الموت والحياة وعرابات الزفاف يطرقن الباب بقبضاتهن وكأنهن عطاشى للدم المسفوح. أطبقت غالية كفيها على أذنيها لتحجب وقع أصواتهن المخيفة، أصوات تجتاح خلجات نفسها كالزلازل والبراكين الثائرة. العرابات يستعجلن العريس ليناولهن دليل الشرف والعفة راية الانتصار المتمثلة بقطرات دم منقوعٍ على منديل أبيض الذي لا يتجاوز طوله المتر الواحد كدليل يرمز إلى العفة ولم يتوقف الطرق على باب العروسين وإن تأخر العريس ولم يستجيب لطلبهن سيكسرن عليه الباب.. توارثت النسوة هذه العادة في طقس الزفاف جيلاً بعد جيل ومن المتعارف عليه تكون هنالك عرابة زفاف واحدة لتقوم بهذه المهام إلا أن توافد النساء وتجمهرهن، بعدئذ تتحول كل النساء إلى عرابات ويشكلن فوجاً تعتريه الفوضى واللامبالاة ويتلذذن التمعن بلون الدم، تجاهد كل واحدة منهن للانقضاض على منديل العفة والإمساك به وكأنهن يتبركن بلمسته لإكمال الطقس بكل أبجدياته بوضع المنديل المخضب بدم العفة فوق صينية ويرقصن ابتهاجا بهذا الانتصار، ثم يتجولن به علناً أمام مرأى السمع والبصر في تظاهرة وسط الشوارع.
بدأت غالية تمشي ذهاباًُ وإياباً في غرفتها الصغيرة تارة تعض شفتيها وتارة أخرى تقضم أظافرها القصيرة جداً والعرق يتصبب من جبينها ويداها ترتجفان، تتمتم بكلمات غيَر مفهومة. تحدث نفسها متسائلةً متوسلةً وكأنها هي العروس. أسرعت إلى زاوية الغرفة وجلست ترتعد من الخوف والبرد، منكمشة، تحاول أن تهدئ من روعها من هول طقس الزفاف الخرافي طالبة الدفء لتدثر جسمها معانقة ذراعيها أمام صدرها. منظرها يثير الشفقة وكأن قافلة نسيتها في صحراء مقفرة، كئيبة، قاسية وتركتها وحيدة غريبة فريسة لوحوشها ووحشتها. وضعت غالية أذنيها على الجدار الذي يفصلها عن غرفة أختها، فسمعت صراخها. إنها تقاوم عراكا والعريس يحاول تهدئتها بعصبية وغضب لمقاومتها. فانتاب غالية الذعر ثم وقفت في مكانها وبدأت تصرخ وتقول لنفسها: الليلة ليلة زفاف أختي وغدا ستكون ليلتي. فمن أين سآتي بالدم؟ كيف سأتدبر أمري؟ عندما غسلت أختي من أبي تلك البقعة الصغيرة من الدم التي كانت بلباسي الداخلي، هددتني ألا أخبر أحدا بذلك لأنه سر خطير. فدفنت سري في قبر منسي بقرار عقلي، وأقسمت ألا أبوح به لأحد لكي لا ينتهي بي المطاف إلى عالم الأموات. مازالت غالية تحدث نفسها حين سمعت صرخة وجع وألم، وفجأة توقف ذلك الضجيج والصراخ والطرق على الباب. وما هي إلا لحظات حتى انطلقت الزغاريد والغناء. أسرعت إلى باب غرفتها ترقب الأحداث من ثقبه، فرأت عريس أختها يمد قطعة ثوب بيضاء ملطخة بالدم لواحدة من أولئك النساء. كان العرق يتصبب من سحنة وجهه وكأنه كان يصارع ماردا أو كان يقاتل في ساحة معركة. شعرت غالية بماء ساخن ينزل من بين فخذيها حتى أخمص قدميها، لكنها لم تبالي، فقد تعودت على نزوله كلما انتابها الخوف ... انتظرت حتى اختفت عرابات الزفاف من قرب غرفتها وغرفة أختها. تسللت إلى الحمام لتستحم بالماء البارد لعلها تستفيق من صدمتها. تمسح على جلدها بالصابون... لابد من الفرار من هذا العالم المتوحش. لا بد أن أهرب بجلدي قبل أن يقع الفأس في الرأس. لا بد من إيجاد طريقة أخرج فيها من هذه الصحراء المتوحشة، قبل أن ينقضوا علي ويذبحونني كخروف العيد، ويسلخوا جلدي لينهشوه بأنيابهم إلى الأبد. عليَّ أن أبدأ فورا في تدبير خطة للخروج من هذا السجن ... نعم، لا بد أن أجد منفذا. فكما يقال: "عندما تقفل كل الأبواب فالله يفتح واحدة". إن الله سيفتح بابا لكي أخرج منه بسلام. إن الله يحبني ولو أنني فقدت بكارتي. إن الله يحبني ولو أنني خرجت عن تقاليد أهلي وعاداتهم. رفعت عينيها إلى سقف الحمام وكأنها تحاول رؤيته وتحدثه. ستساعدني يا ربي، أليس كذلك؟ إن ما يفعلونه في هذا . السجن ظلم وأنت لا تحب الظلم... خذ بيدي ... أرني الطريق المستقيم ... حتى أسلك الطريق الحق وأسير في دروبه ...
* * *
وصلت علية من تونس العاصمة إلى مطار كوبنهاجن. كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا. لم تكن تعرف أحدا في هذا البلد، كما أنها لا تعرف إلى أين ستستمر في رحلتها متسائلة في نفسها:" لماذا النرويج؟ فأنا لا أعرف لغة هذا البلد ولم أسمع قط عنه لا في التاريخ الذي درسته بمصر، ولا أعرف موقعه الجغرافي في الخريطة. آه! إلى متى سأظل هاربة من مجتمعي؟ وإلى متى سأخفي فضيحتي التي كُتِبَتْ علي ولاحقتني طوال حياتي وطفولتي، التي هي أحسن سنوات في حياة الإنسان؟ إلى متى سأظل هاربة من ابن عمي؟ أخذت حقيبتها من مكتب الجمارك، واتجهت إلى مكتب الخطوط النرويجية لتشتري تذكرة لاستمرار رحلتها إلى النرويج. لم تحصل على رحلة قريبة، لابد أن تنتظر حتى الساعة الثامنة ليلا. اشترت تذكرتها وحملت حقيبتها الثقيلة التي كانت تحتوي على كتب كثيرة وملابس قليلة بعضها صيفي. كانت تسمع أن النرويج تظل الشمس فيها ساطعة حتى منتصف الليل، فظنته بلدا لا يعرف البرد وإن كان بلد الثلج فالشمس تكفي لتدفئة البلد طيلة السنة. ما زالت تجر حقيبتها ببطء تلتفت يمينا ويسارا وكأنها تبحث عن شيء مجهول لا تعرف ما هو. كانت خائفة من المستقبل الغامض؛ ومن الناس الذين كانت تراهم في المطار من موظفين ومسافرين، أغلبهم شديدو البياض، شعرهم أشقر وعيونهم زرقاء، والكل يمشي بسرعة متجها إلى غايته. أذهلها ذلك الجو الغريب عن جوها وعن بلدها، وأرعبها انشغال كل واحد بأمره. ليس كمصر حيث يمكن للمرء في المطار أن يجلس بالقرب من أي مسافر يتحدث إليه ويقتل الوحدة والانتظار الطويل. اتجهت (علية) إلى المقهى لتستريح هناك وتنتظر وقت سفرها فإذا بها ترى فتاة يبدو أنها عربية، تتصفح جريدة عربية. اتجهت نحوها تلهث من شدة التعب وبسرعة وبدون تردد سألتها: من فضلك يا أختي كم الساعة؟
لا تريد علية معرفة الوقت بقدر ما كانت تبحث عن أحد يسلي وحدتها، وينسيها ولو لفترة قصيرة حال
مصيرها المجهول. ابتسمت الفتاة وأمسكت بيد (علية) اليسرى، تطلعت الى الساعة وقالت لها: إن الساعة الآن العاشرة والنصف صباحا. شعرت علية بالخجل واحمر وجهها ...
ابتسمت الفتاة وقالت: اسمي غالية، ما اسمك؟ اسمي علية. هل أنت مغربية؟ نعم، أنا مغربية الجنسية، أمي سودانية وأبي من دولة الإمارات العربية. وحضرتك مصرية طبعا. قالت علية: هل جئت لزيارة أحد من عائلتك في النرويج؟ أجابت غالية بحسرة: يا ليت كان لي أحدا بهذا البلد الغريب. يا ليتني جئت إليه كسائحة وأرجع بعدها إلى بلدي. لكنني هاربة بسري، حزينة تائهة كالحمام الذي لا يعرف أين منبعه ولا أين المصب.
_ سر ...! ماذا تقصدين .... ماذا فعلت يا غالية؟
_ أنا لم أفعل شيئا ... هم الذين فعلوا ....هم الذين كانوا الظالم والجلاد والحكم ...
فتحت علية عينيها استغرابا: عمن تتحدثين ....لم أفهم شيئا .
لم تصدق غالية أن سمعت هذا السؤال، كي تروي قصتها، وتتحدث عن الدافع الذي قادها لهذه البلاد. وضعت جريدة عربية كانت بيدها على المائدة وانطلقت كالنهر ... كالشلال تروي قصتها التي ترافقها وتسكنها ....
بدأت معاناتي منذ سن الطفولة، كنت حينها أبلغ من العمر سبع سنوات. سافرت مع عائلتي إلى إحدى بوادي المغرب كان أبي يريد أن يشتري مزرعة من أحد أصدقائه كان يشغل منصبا في الوزارة. أوقف أبي سيارته أمام منزل ضخم وجميل تحيط به مساحات كثيرة من أشجار الصنوبر المكتظة بالطيور الداجنة بمختلف أشكالها وألوانها. والأطفال في ذلك الغيط يلعبون وبين الزهور يمرحون ببراءتهم ينظرون لزرقة السماء ويحلمون بالنجوم. عندما رأونا اتجهوا نحو السيارة مبتهجين فرحين بقدومنا. كان والدهم واقفا أمام باب البيت بابتسامة عريضة مرسومة على وجهه. نزل أبي من السيارة وصافحه، ثم دخلا إلى صالون الاستقبال الذي كان أول غرفة بالبيت خاصة للرجال وبعيدة جدا عن المطبخ والغرف التي تجلس فيها نساءه وبناته. لحقت به أمي ودخلت إلى وسط الدار. رحبت بها زوجتي صاحب المزرعة بحرارة واتجهن نحو صالون ثانٍ خاص للنساء. أما أنا وإخوتي، فتبعنا الأطفال إلى الإسطبل لنطعم الأحصنة ونلعب معها. أخي الأكبر سنا (حمد)، انطلق مع الأولاد يتسلّقون الأشجار بحثا عن أعشاش الطيور، وأختي الصغيرة (سلمى) كانت ترشق الإوز بالحجارة. أختي من أبي (العنود) كانت تتحدث مع امرأة كانت تحلب البقر وتضع الحليب في قناني كبيرة تجهزها كي يأخذها زوجها إلى السوق للبيع. أما أنا فقد أثار انتباهي منظر الناعورة التي تخرج الماء من البئر بطريقة تقليدية ومضحكة. كانوا يستعملون الحمار بوضع جزرة مربوطة في خيط يتبعها على أمل اللحاق بها وأكلها لكن الجزرة تبتعد منه كلما يقترب منها، وهكذا تستمر العملية ساعات طويلة، والماء يخرج من البئر ويُصَبُّ في أنابيب تمر بين الزرع لسقيه، والحمار يحوم بجد ونشاط وباستمرار حول البئر وبغير توقف، تابعا جزرته على أمل الإمساك بها وأكلها. كنت أجلس على سور صغير جدا أنظر إلى تلك الناعورة التي تتحرك في الأفق مصدرة صوت خرير المياه الذي يملأ الأفق بأنغام مختلفة حسب الصعود والهبوط وهي تتدفق لتشكل إيقاعا خاصا يشبه الأحزان أحيانا ويوحي بالفرح أحيانا أخرى ... أتأمل ذلك الحمار ... أراقبه إن كان سينتبه لتلك الخدعة ويتوقف عن الدّوران حول البئر. مرّت ساعات وساعات وما زال الحمار يحوم حول البئر من غير كلل. تعبت من الجلوس لفترة طويلة فوق السور. ذهبت إلى المرحاض، وعندما كنت أغتسل رأيت بقعة دم أحمر قاتم في سروالي. انتابني الذعر. لم أكن أعرف من أين جاء ذلك الدم! هل هو العادة الشهرية؟ وإن كان فعلا العادة الشهرية فلم أكن أعرف آنذاك ما هي العادة الشهرية. تلك الأمور لم نناقشها قط مع أمي رغم أنها متعلمة ومهنتها التدريس. اندفعت أجري خارج المرحاض أبحث عن أختي من أبي، التي كانت أكبر مني سنا. كنت أستطيع أن أشكو لها ما رأيت، أما أمي فكنت أخاف منها كثيرا لأنها عصبية وسريعة الانفعال؛ كما أن خجلي كان حاجزا بأن أبوح لها بما أصابني لأنني لا أعرف عاقبة ما سيجرى لي إن أخبرتها. كنت أجري وأبكي ولو أنني لم أكن أشعر بألم في جسمي. أصيح وأبكي منادية أختي، فإذا بإخوتي وكل الأطفال احتشدوا نحوي متسائلين ماذا جرى لي؟ سأل أحدهم: هل الكلب (عنتو) هو الذي لاحقك، إنه لا يؤذي الأطفال ولا يعضهم. ونطق الثاني: إن (عنتو) يعض فقط اللصوص ويمسك بهم إن تسللوا إلى المزرعة.
وقال الثالث: ربما خافت من الحارس (حَمٌّو) فشكله يرعب، إنه طويل القامة، ضخم الجثة، أشعت الشعر وأعور ,لكنه لطيف جدا ويحرس مزرعتنا من اللصوص. هيا بنا عنده لنلعب معه إنه يعرف قصصا طريفة ومثيرة للضحك.
ضحك الجميع وقالوا: هيا بنا بسرعة.
انطلق الأطفال كالريح واختفوا من حولي، أما أنا فلم أستطع أن أدخل إلى المنزل حيث أمي، فهي لا محالة منشغلة في الحديث مع زوجتَيْ صاحب المزرعة. ذهبت قرب المنزل الصغير الذي تسكن فيه الفلاحة التي تحلب الأبقار وجلست بالقرب من عتبة بيتها أنتظر قدومها فهي لاشك تعرف أين هي أختي من أبي. كان الجو حارا. انتظرت ساعة كانت كالدهر كله؛ فإذا بأختي تقترب مني وتقول:
- ماذا بك جالسة ومنطوية على نفسك ترتعدين وكأن بردا قارص يلسعك. لماذا لا تذهبي وتلعبي مع الأطفال؟
نظرت إليها الفلاحة وهي تضحك: أين نحن من البرد الآن! فنحن في بداية فصل الربيع وفصل الشتاء مازال بعيدا جدا. نظرت إلى أختي والخوف يمزق قلبي: أريد أن أتكلم معك على انفراد.
أمسكت يدها وتوغلت معها بين أشجار الصنوبر.
- أختي لقد رأيت دما أحمر في سروالي ولا أعرف من أين جاء؟
ابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت: أرينني هذا الدم.
أطلعتها على بقعة الدم فنظرت إليه بإمعان ثم تطلعت إلي من غير أن تفوه بكلمة. كنت أرى في عينيها مئات الأسئلة وحب الاستطلاع، لكنها لم تقل شيئا بل وقفت بسرعة والتفتت يمنة ويسرة لتتأكد إن كان هناك أحد من إخوتي أو شخص بالقرب منا، ثم قالت: لنذهب بسرعة إلى الحمام لكي أغسل بقعة الدم من سروالك ولا تقولي لأحد عن هذا السر الخطير. قلت لها وجسمي كله يرتعش: سر خطير! ماذا تقصدين؟ هل أنا مريضة؟ هل عندما يخرج الدم من الفتاة يعتبر عيبا وسرا خطيرا؟ هل.. هل ..
توقف الكلام في حلقي لجلاد غبي وهبته حياتي. انفجرت أبكي وجسمي كله يرتعش. أمسكت يدي بقوة ، جرتني إلى الحمام ، غسلت سروالي وقالت: أقولها مرة واحدة وأخيرة إن أخبرت أمك ستضربك لأن الدم عندما يخرج من البنت يعتبر عيبا كبيرا، احفظي هذا السر بيني وبينك كأنه لم يحدث شيئا.
ذهبنا إلى منزل صاحب المزرعة ودخلنا إلى حيث أمي والنساء مجتمعات منهمكات في الحديث عن مشاكل صديقاتهن؛ من طلاق وضرب وعن معاملات أزواج بعضهن لهن. نظرت أمي إلينا وقالت:
- أين كنتما؟
أجابت أختي من أبي: كنا مع الفلاحة التي تحلب الأبقار.
قالت إحدى زوجتي صاحب المزرعة: لقد حان وقت الغداء. نادوا الأولاد فهم سيأكلون في غرفة الاستقبال مع والديهم. قالت أختي: سأنادي الأطفال. نظرت إلي بعينين قاسيتين وكأنها تريد أن تقول لي إياك والبوح بالسر الخطير. ثم ذَهَبَتْ ُمْسِرَعةً خارج المنزل. جلست مرتبكة خائفة من شيء حصل لي لا أعرف ما هو، إلا أنه يجرحني، يكبحني، يغرقني في قلب من الإعصار. أنظر إلى أمي التي كانت مسرورة فرحة بوجودها في المزرعة، فهي تحب هواء البادية وتعشق الطبيعة. لقد كانت دائما تقول لأبي إن هواء البادية يلائمها أكثر من هواء المدينة المتلوث. لذلك قرر أن يشتري المزرعة. كانت منشغلة هائمة بالحديث عن المزرعة مع الزوجة الأولى أما الزوجة الثانية فقد ذهبت إلى المطبخ لتشرف على توزيع الغداء الذي طبخته الخادمة. جاءت أختي بعدما أحضرت الأطفال. جلسنا حول المائدة التي كانت مليئة بمختلف أنواع الطعام القروي من تاجين مخضر باللحم والزيتون والكسكسى وسلطة الطماطم بالبصل، تلته فواكه المزرعة من بطيخ وعنب وتفاح. أكل الكل بشهية، أما أنا فكنت أفكر في بقعة الدم التي كانت في لباسي الداخلي، منظرها لم ينمح من ذاكرتي خاصة وأن أختي نبهتني أن لا أبوح لأحد به حتى ولو كانت أمي. قالت إحدى الزوجتين: غالية لم تأكل شيئا ربما لم يعجبها الأكل. فقالت أمي: إن بنتي نحيلة جدا وهذا يشغل بالي كثيرا، لذلك قررت أنا وأبوها أن نشتري مزرعتكم علها تغير الجو وتتحسن شهيتها.
لم تسألني ماذا بي. ولماذا أنا صامتة على غير عادتي. فأنا لم أتعود على تقرب أمي إلي، لقد تَعَوَّدْتُ على انشغالها عني دائما، فنصف يومها تقضيه بالمدرسة، والنصف الثاني تزور فيه صديقاتها أو جيرانها أو هن يزرنها. عمتي التي تزوجت شهرا واحدا، غاب زوجها عنها ولم يرجع أبدا، هي التي تقوم بأشغال البيت وبرعايتي أنا وأخوتي منذ كنا صغارا. بعد تناول الغداء صلى أبي صلاة الظهر مع صديقه، ثم أمرنا بالاستعداد للرحيل. ودعت أمي الزوجتين وتمنت لهما التوفيق. ركبنا السيارة وانطلقنا إلى مدينة (فاس) حيث نقطن. كان أبي فرحا جدا بالمزرعة والمنزل حيث وفّق في شرائها . أمي لم تسعها الفرحة، كانت تغني وإخوتي يرددون معها الغناء ويصفقون. مرت أيام وشهور وسنين، ونسيت ذلك السر الذي كنت أحمل همّ كتمانه وأخاف البوح به، وانشغلت في المدرسة فأصبحت في الصف الخامس الإبتدائي. كان عمري آنذاك عشر سنوات. في تلك السنة كان المقرر الدراسي يشتمل على الدين والقرآن والتربية الإسلامية. درسنا عن العادة الشهرية وفهمناها نظريا، لكن حتى ذلك الوقت، لم نعرف عنها شيئا في التطبيق. فلم تكن هناك فتاة منا وصلت سن البلوغ. وحتى إن كانت فمن المستحيل أن تحكي لنا تجربتها حيث تكون منزوية على نفسها قلقة لذلك الشيء الجديد الذي أحدث تغيرا في نفسيتها وجسمها. سكتت غالية هنيهة، احتبس الكلام في حلقها. أمسكت علية يدها وقالت:
- هوني عليك.
ابتسمت غالية ابتسامة حزينة وقالت: لم أفهم لماذا يقف الأهل في وجه تطور الفتاة....لماذا لا يتكيفون مع العصر الذي تعيش فيه هي، لا العصر الذي عاشوا هم فيه. كم تمنيت أن يكون النصح مجردا ومقصودا منه مصلحة الفتاة وأن يقوم على الصراحة والثقة المتبادلة. لم أنس ذلك اليوم في المدرسة أبدا في حياتي وحتى الآن مازلت أتذكر كل ذلك المشهد. كان مدرس اللغة العربية يشرح لنا درسا في التربية الإسلامية وعن السيرة النبوية الشريفة. فجأة أجهشت تلميذة بالبكاء. كانت أكبر منا سنا ودائما تجلس في المقعد الأخير. اندهش كل من في الصف حيث لا نعرف سبب بكائها واحمرار وجهها. تعجبنا من أمرها وبدأنا نتطلع إليها وعلامات الاستفهام تدور في رؤوسنا. وقف الأستاذ من مكانه ووضع نظارته على المنضدة وسألها: ماذا بك يا ابنتي؟ لم تستطع أن تجيبه بل طأطأت رأسها وبدأت تجهش بصوت خافت. اقترب منها ثم قال: هل أنت مريضة؟ لم تجب. كانت الفتاة تنظر إلينا تارة، وإلى الأستاذ الذي كان بالقرب منها تارة أخرى، وجسمها يتصبب عرقا. قال لها الأستاذ: يمكنك أن تذهبين إلى البيت إن كنت مريضة. لاحظ الأستاذ أن وجهها محمرا، فاحتار من تصرفها غير الطبيعي فقال لها بنبرة جدية: قفي، أريد التحدث إليك. ازدادت الفتاة اضطرابا وخجلا وأبت أن تقف وكأنها جالسة على شيء خطير جدا يستوجب عدم إظهاره، لأنه " السر الخطير" مثلما قالت أختي. بعدها فهم الأستاذ أن الفتاة مرتبكة من بقع دم الدورة الشهرية في فستانها الذي كان لونه أبيضا. اقترب منها وبدأ يتكلم معها بهدوء وينظر إليها مبتسما ابتسامة الأب الحنون اتجاه طفلته وقال: لا تخافي يا ابنتي هذا شيء طبيعي بالنسبة للفتاة. إن ما حدث لك اليوم هو تغير مهم في حياتك. لقد أصبحت فتاة ناضجة ومكتملة فلا داعي للخجل ولا للخوف، لأن الخجل والخوف من سمات الجهل، وأنا أعرفك فتاة ذكية ومجتهدة وواعية، فقومي الآن واذهبي إلى المرحاض واغتسلي. نهضت التلميذة وذهبت مسرعة إلى المرحاض، أما نحن فكنا ننظر إلى تلك البقع الكبيرة من الدم على فستانها متعجبات مندهشات. ذهب الأستاذ إلى منضدته، توقف عن شرح السيرة النبوية وشرع في إعطائنا درسا عن الدورة الشهرية.
- ماذا حدث للتلميذة التي ذهبت إلى المرحاض؟
- آه يا علية، لقد جاءت المسكينة إلى الصف ترتعد من البرد، كان فستانها مبللا بالماء وبقع الدم لا تزال ظاهرة على الفستان، إلا أنها لم تكن حمراء بقدر ما كانت وردية اللون.
- وماذا بعد؟
- حضرة المديرة سلمت على الأستاذ وبدأت تحوم بعينيها بحثا عن الضحية.
- تقصدين الفتاة الملطخة ثيابها بالدم؟
- ومن سيكون؟ فعلا البنت التي فاجأتها الدورة الشهرية.
- هل أحضرت لها المديرة ثيابا؟
- لا، لقد نادى الأستاذ تلك الفتاة ووقفت هذه الأخيرة ترتعش وترتعد من شدة البرد والخوف، أمام المديرة التي كانت تحذّق فيها باشمئزاز وتَكَبُّر. وبعد ثوانٍ قليلة قالت لها:
- ما اسمك؟
أجابت التلميذة بخوف واحترام شديدين: اسمي المراني خديجة.
تطلعت إليها بتقزز وقالت: اتبعيني إلى المكتب. قبل أن يغادرا أخذ أستاذنا العظيم سترته ووضعها على كتف التلميذة. سألت علية: وماذا حدث بعد ذلك؟
_ لم أعرف أي شيئ ... فالتلميذة لم أرها في المدرسة إلا بعد شهر كامل. تلك الحادثة التي وقعت للتلميذة، أيقظت في نفسي ذلك "السر الخطير" الذي أُمِرْتُ أن أدفنَهُ وأنساه إلى الأبد، وبدأت أتساءل عن سر تلك البقعة الحمراء التي كانت في لباسي الداخلي، هل هي دم الدورة الشهرية؟ فأستاذنا شرح بصحيح العبارة أن الدورة تبدأ في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة وأحيانا في سن السادسة عشر.
هل أنا أختلف عن باقي البنات لذلك جاءتني الدورة الشهرية في سن السابعة؟ وإن كانت الدورة الشهرية، فلماذا لم تأت كل شهر بعد تلك الحادثة؟ ولماذا لم يكن ذلك الدم كثيرا مثل دم الحيض؟ كانت الأسئلة تقع على رأسي كوقع الفأس فَتَكَوَّنَ في نفسي رعبا من ذلك الشيء الغريب المجهول. لكن بعد أيام قليلة أيضا نسيت حادثة الحيض عند تلك الفتاة بالقسم، ونسيت بقعة الدم التي كانت ذات يوم في لباسي الداخلي.
كانت أمي قاسية جدا معي. لا تسمح لرفيقاتي بالمدرسة أن يزرنني بالبيت، ولا تسمح لي أن أزورهن وكان أبي أكثر منها قسوة بحيث لا يسمح لنا أن نلعب خارج البيت، خوفا علينا من الاغتصاب أو ما شابه ذلك. فبحكم مهنته قاضيا كان يرى الكثير من الفتيات اللواتي كن ضحايا المجتمع الذي لا يرحم المرأة .
__________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://sparse-rose.yoo7.com
 
رواية : سري الخطير لـ زكية خيرهم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: قـصـص وروايـات-
انتقل الى: